“عتاب الماء وشرهات الينابيع” و وشم عريق

محمد عمير- أبو غزيل الشهراني – جدة

 

في زمنٍ تتنامـى فيه فــرص الإبداع وتزدحم الحــروف تحت ظل الفــــكرة نجد الشــــــعر العامي يتلألأ ويســـجلُ نجــــومه حضـــــورًا لافتاً .

ومنــهم الشاب المبــدع / شامان العتيبي

إذ شارك عبـر برنامج التيك توك بنـصٍ جعلني وأنا أســـمع الأبيات أصفق للمشاعـــر التي يحاول أن يُخفي توجــهها ولذلك من هذا الباب سأحاول الولوج إلى أبيات القصـــيدة

وكانت  ( الزمــكانية ) هي البداية التي استهل بها النص

اختار شاعـــرنا الجمـــيل قصـــيدته على بحر المنكوس مذيل الصدر

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلان

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

(على انقاض عمـرٍ ما لقى للمدينة عين

دفعت امنياتي لين رسيّت مشروعي)

وهنا كانت البداية الزمكانية أي أنه حدد المكان المقصود بالزمان ( العمر زمن ) فعلى أنقاض العمر الذي لم يجد للمدينة عينًا

قام الشاعر بتحفيز أمانيه حتى ثبت هدفه المقصود

ثم بدأ الشاعر بمخاطبة نفسه بإسلوبٍ شعري سهل من أين يبدأ أو من أين ينتهي أو من أين يلملم شتات القلب ويرمم الضلوع وهذا مدخلٌ يثبت لنا أنه مر بمـوقفٍ جعل الضلـوع تتحطم والقلب يتشتت

وهذه التساؤلات تحتاج جوابًا أو سببًا فينطلق بنا شامان من البيت الذي يليه

( رماد المباني والشوارع ونبض الطين

وجدول صرير الحزن في جدول إسبوعي)

وهنا نلاحظ التجديد في اضافة المباني والشوارع واختيار لون الرماد لها اختار الشاعر منطقة رماديه ولكن لأول مرة أرى المنطقة هذه بمعنى جميل فهو لم يكن مُباشرًا في شعره ولا غائصًا في الحداثة إذ أن هذا اللون يناسب الحالة الغير مستقرة والشعور وأيضاً نبض الطين وهنا يُأنسن شاعرنا الطين ويجعل له نبضًا لذلك تفاعليته موجوده ورمزيته خاصه وعميقه ثم اختار صوتًا للحزن وهو الصرير وهذا الصوت كذلك يناسب الحزن ويناسب بهتان اللون وكيف أن هذا الصوت المجدول سكن في الجدول الأسبوعي للشاعر ثم ينتقل الشاعر بحرفيه وانسيابية ذكية وكأنَّ الشاعـر يتفحص صــورة معينة حُفرت في الذاكرة بهيئة خاصة يناقشها بذكاء وفلسفة شعـــورية تدقيقية وتوضيحية بعد أن تشبع بها صدره وكذلك قولبها العقل بشـكل مُغاير ويجعل الترابط والسببيه موجوده في الصياغة والفكرة وحتى الابتكارات

(تفاصيل تسهب في تفاصيل بين البين

لها طبع يغتال انطباعي عن طبوعي)

رغم أن التفاصيل صغيرة جداً إلا أنها تحدث ضجة داخلية عظيمة ويؤكده بمفردة تسهب

بيت يتأثر بسيمولوجية الكاتب من حيث يؤكد بارت ويقول : أن السيمولوجيا استمدت مفاهيمها الإجرائية من اللسانيات وهذا ما يمنح الشاعر قوة وبعداً نفسياً خصباً بمفردة غنية تميزه  عن شاعر آخر ، ويمنح الناقد أبعاداً جديدة مختلفة في كل نص يقرأه فالكتابة بوصفها أثراً هي سمة ودلالة

هذا الشاعر يبث الحياة في كل مفردة ويجعل النص يتنفس

( لها طبع يغتال انطباعي عن طبوعي)

حدوث الأثر يسبقه انطباعات تحكم سلوكنا وعلاقاتنا

بيت عبارة عن كاريزما تشد القارئ وتجعله يستمر مندهشاً متيما

يقول الدكتور جمال فرويز: ( نحن نلقي بالصورة والآخر يتلقاها)  وهذا ما تعنيه الانطباعات رغم أن الطبع يؤكد على حقيقة الانطباع من عدمه

(من النافذة  زفرة ندم  تتقي وتبـين

صداها يمد رشاه في جمة سموعي)

“من النافذة ” الحياة أشبه بالنافذة التي نطل منها على ذات المنظر برزوايا مختلفة

والزفرة محلها الصدر فكأنما صدره نافذة تطل منها تلك الزفرة وتعود في محاولة يائسة للمداراة

فيبقى صداها يتردد حتى يصل السمع

(يمد رشاه في جمة اسموعي )

الرشا هو الحبل المربوط في آخره دلو يمد في البئر لجلب الماء

كأن الصدى يمد حبله لجلب معظم المشاعر من عمق السمع ولكم هذه الصورة الحسية الحركية السمعية

صورة مسرحية عظيمة

 

(عيون الرحيل تساور الشك والتخمـين

ودموع الخطاوي كانت ابلغ من ادموعي)

والشطر الأخير رغم تكثيف التشبيهات بشكل أنيق نجد حرارة المشاعر فيه إلّا أن الشاعر في الشطر الأخير كأنه يقول حتى اللي رحل لا يود الرحيل بطريقة مبتكرة فجعل للخُطى دموع كما أنه جعل للطين نبض

(تصحر ربيع البال واقفى الكلام الزين

نفاني السكوت وذاب حرفي على شموعي)

(تصحر ربيع البال )

لماذا البال وليس العمر !

لأن البال هو الحال

يقول تعالى : ( وأصلح بالهم)

أي أصلح نفوسهم وعقولهم فالبال هو ما يمد النفس والروح بالأفكار

” واقفى الكلام الزين ” لم يعد هناك أحاديث تبهج وتغري ولا قصائد إلا من حروف تذوب عطشاً واحتراقا

(خذلني وقوفي في رجا بكرة وبعدين

ورثني الشقا حتى تأصل من فروعي)

صورة تورث التعب

طول الوقوف والانتظار والتسويف لا يورث إلا الشقاء والهزيمة التي تسري في الروح

(معي جرح غاير حدته تجرح السكين

يسولف بجوده لين يشبع على جوعي)

الجروح الغائرة جروح نافذة لا تلتئم بسهولة وعادة الجروح هذه لا تأتي إلا من ظلم ذوي القربى أو حبيب

على سياق ما قاله: جبران خليل جبران

(جرحوا صميم القلب حين تحملوا

الله في جرح بغير شفاء)

(من الانكسار المستحيل استبحته لين

وصل منتهاه ورحت اسلم على كوعي)

مستحيل مستباح أليست أزمة وجودية ما يحدثه هذا الشاعر في قصيدته يحاول فيها التعايش مع الانكسار!.

الشاعر هنا يربط بين حدين وينتقل بينهما فيختزل التطور الزمني في الشعور ما يسمى الاتصال ” بمنتهاه” وبين بيئة الجرح المستباحة إلى الأنفصال بالمستحيل

بلاغة وصورة في منتهى الروعة

من شدة الانكسار أصاب المستحيل

ومازالت الأزمة الوجودية باعتبارها مرتبطة بالفعل والشعور مستمرة من حيث يستمر القلق

(حبيس القلق حتى اطمأن القلق والحين

وش يحد من روعة حضوره ومن روعي)

(ابطرد ورى حلمي ليالي ، شهور ، سنين

وبسمع عتاب الماء وشرهات يبنوعي

انا بحاجة لفرحة وضمة بدون يدين

بعيدً عن الحرمان شكلي وموضوعي)

(عتاب الماء) والماء شفيف لفيض الشعور يسري به كل قلق حبيس وكل عتب لطيف وكل نفس رقيق

صورة حسية ودلالة سمعية لرقة العتب

( شرهات ينبوعي ) الينابيع تتدفق من نقطة واحدة وفي خط واضح لهذا شرهاتها وداعة ودفق حنون دافئ

( ضمه بدون يدين ) هل يمكن ذلك ؟

نعم من حيث الفارق بين الاحتضان والضم

فالاحتضان اتصال

اما الضم فهو عناق روحي واحتواء نفسي

أما من حيث المدة فالضم مدته تطول وتطول وهو وثيق الصلة بالروح والنفس أكثر من الجسد

في كل حرف من حروف اللغة حياة ، ونبض يتنفس ويتحدث ويتحرك 

وفي هذه القصيدة حياة ..

إليكم القصيدة

(على انقاض عمرً مالقى للمدنية عين

دفعت امنياتي لين رسيت مشروعي

منين ابتدي ولا منين انتهي ومنين

الملم شتات القلب وارمم ضلوعي

رماد المباني والشوارع ونبض الطين

وجدول صرير الحزن في جدول اسبوعي

تفاصيل تسهب في تفاصيل بين البين

لها طبع يغتال انطباعي عن طبوعي

من النافذة زفرة ندم تتقي وتبين

صداها يمد رشاه في جمة سموعي

عيون الرحيل تساور الشك والتخمين

ودموع الخطاوي كانت ابلغ من دموعي

تصحر ربيع البال واقفى الكلام الزين

نفاني السكوت وذاب حرفي على شموعي

خذلني وقوفي في رجا بكرة وبعدين

ورثني الشقا حتى تأصل من فروعي

معي جرح غاير حدته تجرح السكين

يسولف بجوده لين يشبع على جوعي

من الانكسار المستحيل استبحته لين

وصل منتهاه ورحت اسلم على كوعي

حبيس القلق حتى اطمأن القلق والحين

وش يحد من روعة حضوره ومن روعي

شعوري عظيم اعظم من البيت والبيتين

خطفني عن الانظار بأحساسه النوعي

ابطرد ورى حلمي ليالي ، شهور ، سنين

وبسمع عتاب الماء وشرهات يبنوعي

انا بحاجة لفرحة وضمة بدون يدين

بعيدً عن الحرمان شكلي وموضوعي)

 

ملاحظات

  • الشاعر لم يعنون قصيدته والولوج إلى القصيدة يبدأ من مدخل العنوان فهو يعطي تصوراً عن النص ومدلولاته .
  • يظل الشاعر الحقيقي مهما توارى أوحاول أن يلوذ بالحرف رهين المشاعر وهذا ما يجعل الشعر مختلفاً عن النظم

5 تعليقات على ““عتاب الماء وشرهات الينابيع” و وشم عريق”

  1. ياسلام ياسلام ابداااع يابو غزيل لله درك اسهاب جميل وقراءه اكثر من رائعه اضغت الى جمال النص جمال اخرر

    رد
  2. السلام عليكم ورحمه الله وبركاته لقد تفأجت بهذا النص الجميل شعرا وترابط وصور جماليه والخيال الواسع والابداع الفكري الناضج الجديد الحقيقه انا في حاجه الى مثل هاذي القصائد
    لايفوتني ان اشكر الصديق ابوغزيل على هاذي اللفته والمقال المشرف وكذلك الانصاف تلب نحن في حاجته شكر لك بحجم السم اسا لك التوفيق والمزيد من النجاح والتقدم

    رد
  3. انا شخصياً احد المعجبين في طرحك بشكل عام اعتقد انك اضفت للجمالِ جمال
    عاد تصدق كنت احسبه يقصد ب رماد المباني انها تصبح رماد 😅
    جميل جدا وانيق اخي العزيز ابو غزيل

    رد
  4. الشاعر الجميل / شامان العتيبي حلق بنا في سماء الشعر بحديثه ورقيقه وبيانه وسحره ،، قصيدة عصرية اعتصر من خلالها قلوبنا تأثراً وإعجاباً فأرضت غرورنا وأنا فخور بالنص وقائله .
    لا يفوتني أن أشكر المنصف والناقد المبدع الصديق العزيز / أبو غزيل الشهراني .. وأقول له أنت من ألقٍ إلى ألق !.

    رد
  5. باختصار ابدااع ❤️

    رد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.