وِإيشْ اتعَوِّد..!؟

بقلم : لمياء الحاج

في الأسبوع الماضي قال رجل لابني في سياق الحديث: وكيف لو كنت سعودي.!؟ فرد عليه ولدي قائلاً: أنا سعودي، قال له: وإيش اتِعوِّد..؟ قال له ابني متعجبًا: سعودي وأصلي من مكة وأنا من جدة ولست قبيلي، فرد عليه قائلاً: إذًا أنت لست سعودي. (انتهى)

سبحان الله أعجب من كم العنصرية البغيضة الموجودة في نفوس الكثير من الناس التي تؤذي الآخرين..!؟
أعجب فعلاً.. لماذا ابني ليس سعودي وهو سعودي الأب والجد جد الجد من مكة المكرمة، وجد جده كان إمام في الحرم المكي الشريف..!؟
سبحان الله أَ لإنه أبيض البشرة فاتح الشعر ولون عينيه زرقاوين..!
( أظن أن كل من تعلم في المرحلة الثانوية قسم علمي أو كل من درس العلوم والطب يعلم أنه حين تكون عين الأم عسلي فاتح وعين الأب عسلية أيضًا فسينجبون حتمًا طفلاً بعينين زرقاوين.. ناهيك أن غالبية من هم من مكة أو من جدة اختلطت عروقهم ببلاد الشام والمغرب ومصر وغيرها من البلاد العربية أو من تركيا أو من آشرق آسيا حتى..! )

وبالعودة إلى موضوعي وهو يتناول العنصرية البحتة ونفي الجنسية والوطن كليًا عن شخص أنت لا تعرفه فقط لمجرد لون بشرته ولون عينيه، فهذا حكمٌ جائر وظلمٌ كبير لا يقبله لا دين ولا عُرف ولا عقل..!

«التمييز» و«العنصرية و«الطائفية» و«التعصب»، أشقاء من عائلة واحدة وهي عائلة «الكراهية والبغض»، إذ لا يمكن لأي فكرة عنصرية تنطلق من هذه الأسرة البائسة أن تكون ناجحة أو تؤتي نتائج جيدة أو تُثمر بعلاقات اجتماعية ناجحة، فمثلاً: تمييز الذكور عن الإناث، وتمييز السود عن البيض، والأغنياء عن الفقراء، والمواطنين عن المقيمين، والقبلي عن الحضري، وطوائف معينة عن غيرها، ومذهب عن آخر، أو مناطق عن أخرى، أو حتى أندية رياضية عن غيرها.. إلخ، كلها عنصرية وتعصب وتمييز تؤدي إلى الكراهية والبغض، علمًا أن المجتمع الدولي يحتفل في يوم 21 مارس من كل عام بذكرى القضاء على التمييز العنصري، تحت عنوان «الشباب يقفون ضد العنصرية».

في جميع بلاد العالم يحاربون العنصرية بأشكالها وخاصةً في أمريكا هم يحاربون العنصرية تجاه العرق الأفريقي والعرق الآسيوي,, ومع ذلك لازالت العنصرية موجودة لديهم وبشكل كبير..!

نحن أولى بمحاربة العنصرية ونبذها فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عنها: “دعوها فإنها مُنْتِنَة” وكما قال عليه السلام: ” يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلاَّ بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ “، وقال تعالى عنها: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ) وقد قدم الله تعالى الشعوب قبل القبائل في كتابه الكريم.. وجعل من سنة الحياة أن نلتقي ونتعارف ونختلط ببعض من خلال التجارة والعلم والزواج، ولكن مقياس التقوى عند الله في من يخشى الله تعالى ويعمل عملاً صالحًا وليس في من كان قبيلي أو حضري أو أبيض أو أسود..!

فماهي الفائدة التي ستعود على شخصٍ ما أن يعرف أصل وفصل شخصٍ غيره لايعرفه..!؟ إن كان من هذه البلاد وولد على أرضها وعاش تحت سمائها وتعلم وكبر وعمل فيها ولأجلها وحبها يجري في عروقه ودمائه.. فبماذا يهم أحدٍ ما أن يعرف (وإيش اتِعوِّد) وبأي حق ينفي انتساب هذا الشخص لوطنه وجنسيته..!؟ يا سبحان الله فكلنا لآدم وآدم من تراب.. نعم دعوها فإنها مُنْتِنَة وخبيثة أيضًا، وصدق الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام.
ولمن لا يعلم فإنَّ أهل الحجاز تنوعت ثقافتهم واختلطت دماءهم بغيرهم من شعوب العالم أجمع بحكم التجارة والحج والعمرة منذ الأزل مع جميع بلاد الله في هذا العالم وخاصةً مع بلاد اليمن السعيد وبلاد الشام في رحلتي الشتاء والصيف، وإن هذه دعوة أبونا إبراهيم عليه السلام لقوله تعالى: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ). فسيدنا إبراهيم عليه السلام ليس من مكة وأم سيدنا إسماعيل السيدة هاجر ليست من مكة ولا زوجة سيدنا إسماعيل ليست من مكة ولكن اجتماعهم في مكة ليأتي من نسلهم سيد الثقلين عليه أفضل الصلاة والسلام نبينا محمد بن عبدالله الهاشمي القرشي المكِّي، الذي ما عاب على بلال بن رباح ولا فيروز الديلمي سوادهما، ولا عاب على سلمان الفارسي أصله الفارسي، ولا عاب على صهيب الرومي أنه من الروم. وتزوج من أم المؤمنين السيدة صفية بنت حيي بن أخطب وهي ابنة لحاخام يهودي، وتزوج من مارية القبطية أيضًا قفي صحيح الإمام مسلم بن الحجاج قال: قال رسول الله: “استوصوا بأهل مصر خيرًا، فإن لهم نسبًا وصهرًا”. والنسب من جهة هاجر أم إسماعيل عليه السلام، والصهر من جهة مارية القبطية رضي الله عنها، وكل ماسبق إنما هي دروس لأمته كي يتعلموا منها.
لذلك كم أتمنى أن تنتهي هذه العنصرية النتنة من حياتنا وأن ننظر لأعمال الشخص وأخلاقه وليس لقبيلته (وإِيش يعوِّد.!).
وأخيرًا أختم مقالي هذا في أبيات أخذتها من قصيدة ( اللامية ) المشتهرة بلامية ابن الوردي للشاعر عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس الملقب بأبي حفص زين الدين بن الوردي المصري الكندي 691 – 749 هـ / 1292 – 1349م، التي يقول في مطلعها:

اعتزل ذِكرَ الأغاني والغَزَلْ
 وقُلِ الفَصْلَ وجانبْ مَـنْ هَزَلْ
ودَعِ الـذِّكـرَ لأيـامِ الصِّبا                 فـلأيـامِ الصِّبـا نَـجمٌ أفَـلْ

إلى أن يقول فيها:
كَـمْ جَهولٍ باتَ فيها مُكثرًا         وعليـمٍ باتَ منهـا فـي عِلَلْ
كمْ شجاعٍ لم ينلْ فيها المُنَى           وجَبـانٍ نـالَ غاياتِ الأملْ

لا تقلْ أصلي وفَصلي أبدًا إنَّما         أصلُ الفَتى ما قـد حَصَلْ

قدْ يسودُ المرءُ من دونِ أبٍ       وبِحسنِ السَّبْكِ قدْ يُنقَى الدَّغّلْ
إنـما الوردُ منَ الشَّوكِ وما             يَنـبُتُ النَّرجسُ إلا من بَصَلْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.